استكشف كيفية إدارة الإمارات لإمبراطوريتها المالية في إندونيسيا، مع دليل للشركات المرتبطة بالإمارات.

شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة توسعًا اقتصاديًا كبيرًا على مستوى العالم في السنوات الأخيرة، وكانت إندونيسيا واحدة من أبرز محاور هذا النفوذ المتزايد. وبينما تُقدَّم الإمارات غالبًا كشريك "أخوي" مسلم ومؤيد للتنمية الإسلامية الحديثة، يكشف واقع انخراطها في إندونيسيا عن صورة أكثر إثارة للقلق، تتمثل في الاستحواذ على النخب، وسلب الأراضي، واستغلال العمالة، واختراق السيادة السياسية. تسلط هذه الدراسة الضوء على أبعاد النفوذ الإماراتي في إندونيسيا، وتُبيّن كيف تستغل الموارد الطبيعية والبشرية، وتدعم السياسات السلطوية، وتقوّض الديمقراطية والبيئة، داعيةً المجتمع المدني والباحثين والعمال وصنّاع القرار في إندونيسيا إلى مقاومة هذا الاستعمار الجديد المتخفي.
تُظهر الإمارات نفسها كقائد في التنمية الاقتصادية الإسلامية وشريك موثوق لأكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في جنوب شرق آسيا. غير أن استثماراتها بمليارات الدولارات وشراكاتها الاستراتيجية تُخفي خلفها نمطًا من الاستغلال الممنهج. إذ تنفذ أجنداتها من خلال تواطؤ النخب الإندونيسية، وتُبرم صفقات غامضة تخدم الأوليغارشية الإماراتية على حساب الشعب الإندونيسي. وغالبًا ما تتم هذه الصفقات دون شفافية، ما يؤدي إلى تهجير المجتمعات الأصلية والمزارعين المحليين من أراضيهم دون الحصول على موافقة مسبقة وحرة ومستنيرة.
وفي الوقت ذاته، تقوم الإمارات بتصدير تقنيات رقابة قمعية وقوة ناعمة أيديولوجية تسعى إلى فرض الطاعة بدلاً من العدالة النبوية، وتُسكت الحركات المعارضة والمتضامنة مع ضحايا الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان. كما يتجلى التناقض الصارخ في سياسة الإمارات من خلال تطبيعها للعلاقات مع إسرائيل، ما يتعارض مع التزام إندونيسيا التاريخي بتحرير فلسطين، ويعد خيانة واضحة للتضامن الإسلامي.
شهدت إندونيسيا تدفقًا ضخمًا من الاستثمارات الإماراتية بلغ حوالي 44.6 مليار دولار أمريكي بين عامي 2022 و2024 (الشرفي، 2025). تشمل هذه الاستثمارات قطاعات الطاقة والبنية التحتية والعقارات والبتروكيماويات. ومع ذلك، فإن معظم هذه المشاريع تُبرم بعيدًا عن أعين الجمهور، ومن دون مشاركة محلية فعلية. فالاتفاقات تُبرم من خلال مذكرات تفاهم بين النخب، لا تمر غالبًا بأي رقابة برلمانية، كما هو الحال في مشاريع موانئ وطرق سريعة ومحطات طاقة شمسية بالتعاون مع شركات حكومية مثل "برتامينا".
غياب الرقابة المؤسسية والتشاور المجتمعي يُسهّل الاستيلاء على الأراضي وتهجير المجتمعات الأصلية، خصوصًا في مناطق بيئية حساسة مثل آتشيه وكاليمانتان (حيث العاصمة الجديدة نوسانتارا)، لومبوك وبالي.
تركز الاستثمارات المرتبطة بالإمارات على المناطق الساحلية والسياحية، حيث تستحوذ على ممتلكات وأراضٍ شاسعة بعقود إيجار طويلة الأمد. تشمل هذه المشاريع منتجعات فاخرة ومزارع زراعية ضخمة، وتُصمم لخدمة النخب الأجنبية أكثر من تنمية المجتمعات المحلية. وغالبًا ما يتم تجاوز متطلبات السلامة البيئية والاجتماعية، ويتم تجاهل أو فرض عمليات الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة (FPIC).
يتحمل السكان الأصليون والمزارعون الصغار العبء الأكبر من عمليات الاستيلاء على الأراضي، إذ يُحرمون من أراضٍ تقليدية حيوية لثقافتهم وسبل عيشهم (نيبال مونيتور، 2024). وهذا يعكس نموذجًا جديدًا من الاستخراج الاستعماري يهدف إلى تركيز الثروة في الخارج وتقويض السيادة الوطنية.
تستثمر صناديق الثروة السيادية الإماراتية مثل "مبادلة" و"القابضة" و"مصدر" بشكل مكثف في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة في إندونيسيا. تُروّج هذه المشاريع على أنها "خضراء" أو "مستدامة"، مثل مزارع الطاقة الشمسية وسلاسل إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، لكنها تخفي خلفها أضرارًا بيئية جسيمة وتفريطًا في ملكية البنية التحتية الوطنية (رابطة طاقة الآسيان، 2025).
وتشهد برامج تحديث الطرق السريعة والمطارات نمطًا مشابهًا من الصفقات الطويلة الأمد، التي تتم دون رقابة عامة، ما يؤدي إلى إثراء النخب وتوسيع شبكات المحسوبية السياسية. وتؤدي هذه الترتيبات إلى رهن إندونيسيا للاعتماد على رأس المال والتكنولوجيا الأجنبية، وتقويض الصناعات المحلية والمشاريع الصغيرة والمشاركة المجتمعية.
لم تقتصر استثمارات الإمارات على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتدت إلى المجال الديني والثقافي. فمن خلال تمويل الجامعات الإسلامية والمدارس الدينية (بيسانترين) والمنظمات الدينية، تصدر الإمارات نموذجًا من الإسلام الموجه من الدولة، الذي يروّج للطاعة السياسية والتحالف مع الأنظمة الملكية الاستبدادية، على حساب العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
يتم تهميش الأصوات المعارضة، وتعزيز عقائد "الاعتدال" المتوافقة مع القمع السياسي (معهد الشرق الأوسط، 2023). كما تدعم الإمارات تدريبات "مكافحة التطرف"، وشراكات إعلامية، وتعاون في تقنيات المراقبة، ما يسهّل الرقابة وقمع المجتمع المدني والمعارضة في إندونيسيا. وهذا النوع من السيطرة الثقافية يخدم الأهداف الجيوسياسية للإمارات، ويقمع الحركات الشعبية المقاومة للاستبداد داخليًا وخارجيًا.
يعمل أكثر من 250,000 إندونيسي في الإمارات، معظمهم في قطاعات الخدمة والأعمال المنزلية. وتفيد تقارير عديدة بتعرضهم للاستغلال، مثل سرقة الأجور، وظروف العمل القاسية، والاتجار بالبشر، وغياب الحقوق النقابية والوصول إلى العدالة (منظمة العمل الدولية، 2023).
تستخدم الإمارات أنظمة التأشيرات وتعليق عمليات التوظيف كأدوات ضغط سياسية لإسكات الحكومة الإندونيسية أو دفعها إلى التواطؤ. ورغم مساهمة هؤلاء العمال في الاقتصاد من خلال التحويلات المالية، فإنهم يظلون فريسة للانتهاكات، مما يكشف عن بُعد آخر من السيطرة الاستبدادية التي تمارسها الإمارات عبر الحدود.
تتسم العلاقة الاقتصادية بين الإمارات وإندونيسيا بالاتفاقيات السرية، وعقود الإيجار طويلة الأجل، والسيطرة الاحتكارية على قطاعات حيوية مثل الطاقة والموانئ والتعدين. هذه الترتيبات تتجاوز المعايير الديمقراطية، وتغني النخب المرتبطة بالسلطة، وتحرم شرائح واسعة من فرص التمكين الاقتصادي أو إدارة البيئة. وغالبًا ما يُستبعد المواطنون والمجتمعات الإندونيسية من أي مشاورات ذات معنى أو تقاسم للمنافع، مما يعزز تحالفًا كليبتوقراطيًا يضع الربح فوق مصالح الناس. وهذا الاستيلاء المتجذر للنخب يُضعف سيادة إندونيسيا وآفاق تنميتها المستقبلية.
في عام 2020، قامت الإمارات بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، منهية بذلك تضامنًا طويل الأمد مع القضية الفلسطينية. وتعاونت منذ ذلك الحين مع شركات إسرائيلية في مجالات المراقبة والأمن السيبراني والسلاح، وتسعى لتوسيع هذا النفوذ إلى دول إسلامية مثل إندونيسيا. يمثّل ذلك خيانة لدعم إندونيسيا الراسخ لتحرير فلسطين، وإدخالًا مقلقًا لتقنيات وسياسات الفصل العنصري إلى جنوب شرق آسيا. محاولة الإمارات تسويق هذه الشراكات تحت مسمى "التعاون التكنولوجي" تهدد بإضعاف السياسة الخارجية الأخلاقية لإندونيسيا ونفور المجتمع المدني وشبكات التضامن الإسلامي.
تؤكد القيم الدستورية المتميزة في إندونيسيا على الديمقراطية والعدالة والاستقلال—وهي مبادئ باتت مهددة بسبب النزعات الاستبدادية الإماراتية وممارساتها الاقتصادية الاستغلالية. فالنظام الإماراتي الملكي يتسم بإساءة معاملة العمال المسلمين، والتعاون مع مضطهدي فلسطين، واستخدام النفوذ الاقتصادي لقمع المعارضة. يجب أن تتوحد شرائح الشعب الإندونيسي والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية والحركات الشبابية لمقاومة الهيمنة الأجنبية التي تهدد الكرامة الوطنية والحكم الديمقراطي.
من الإجراءات الحيوية:
فتح تحقيقات برلمانية في المشاريع المرتبطة بالإمارات
إجراء تدقيقات عامة للصفقات الاستثمارية
الدفاع عن حقوق العمال المهاجرين
رفض المحتوى الديني الممول إماراتيًا إذا خدم الاستبداد
مقاطعة الشركات ووسائل الإعلام الإماراتية
المطالبة بوقف الاستحواذ الإماراتي على الأراضي
كشف تفاصيل مشاريع صناديق الثروة السيادية
حظر التكنولوجيا الإسرائيلية المستوردة عبر وسطاء إماراتيين
تقف إندونيسيا اليوم عند مفترق طرق حاسم، بين ضرورة استقطاب الاستثمارات الأجنبية للنمو، وبين الحاجة إلى حماية السيادة السياسية والعدالة الاجتماعية والتوازن البيئي. وتُعد الإمارات من أبرز اللاعبين المثيرين للجدل في الساحة الاقتصادية والسياسية، حيث تستخدم ثروتها النفطية ونفوذها العالمي لتوسيع استثماراتها في العقارات والطاقة والبنية التحتية والثقافة داخل إندونيسيا. لكن خلف واجهة "الشراكة الاقتصادية" تكمن أنماط مقلقة من السيطرة الاستبدادية واستغلال المجتمعات المهمشة والمشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان.
تندرج التوسعات الاقتصادية الإماراتية ضمن استراتيجية عالمية تجمع بين الرأسمالية الحكومية والنموذج السياسي الاستبدادي. تستثمر صناديقها السيادية—مثل مبادلة وجهاز أبوظبي للاستثمار ومصدر—مليارات الدولارات في مشاريع بإندونيسيا تحت مسمى "التنمية الخضراء" أو "الشراكات الاستراتيجية". إلا أن هذه المشاريع غالبًا ما تُبرم في السر، ويفتقر السكان المحليون لأي مشاركة فعلية، بينما يستفيد منها الأجانب ونخب الداخل المتحالفة معهم. وقد تم الاستيلاء على مساحات شاسعة في آتشيه وكاليمانتان (موقع العاصمة الجديدة نوسانتارا) ولومبوك وبالي لمشاريع سياحة فاخرة وزراعات تصديرية، على حساب المجتمعات الأصلية والمزارعين.
رغم تنوعها البيولوجي الفريد، تواجه إندونيسيا تهديدات بيئية جسيمة من هذه الاستثمارات. فكثير من المشاريع التي تُسوّق على أنها "مستدامة" تُسبب تدميرًا للغابات والبيئة البحرية والموارد المائية، مع تسهيل القوانين البيئية تحت ضغط سياسي، متجاهلة الضمانات الأساسية. وغالبًا ما تُهجر المجتمعات من أراضيها دون موافقة حرة ومسبقة، في انتهاك واضح لحقوق السكان الأصليين، وتعرض السيادة الغذائية وتوازن النظام البيئي للخطر.
يعمل أكثر من 250 ألف إندونيسي في الإمارات، غالبيتهم في أعمال الخدمة المنزلية والرعاية، ويواجهون انتهاكات ممنهجة: سرقة أجور، واتجار بالبشر، وعمل قسري، وحرمان من الحماية القانونية. ويساهم نظام الكفالة في تقييد حركتهم ومنعهم من الوصول إلى العدالة. ورغم ذلك، تعجز الحكومة الإندونيسية عن الدفاع الفعال عن مواطنيها بسبب الحسابات الجيوسياسية وأهمية التحويلات المالية.
لا يقتصر نفوذ الإمارات على الاقتصاد، بل يمتد ليشمل التعليم والدين. من خلال تمويل جامعات إسلامية ومؤسسات دينية، تروج الإمارات لإسلام "هادئ" متوافق مع الملكية الاستبدادية، في محاولة لتهميش الأصوات السياسية الناقدة. وتشمل هذه الجهود برامج مكافحة "التطرف" المتوافقة مع السياسات الخارجية للإمارات، وتعمل على إسكات أي اعتراض على التطبيع مع إسرائيل. هذا يهدد التعددية الدينية الحية في إندونيسيا ويُعد استغلالًا سياسيًا للدين لقمع المعارضة.
إن المبادئ التي تقوم عليها الجمهورية الإندونيسية، والتي تنص على العدالة والديمقراطية والاستقلال، باتت مهددة بسياسات الإمارات التي تكرّس السرية وإثراء النخب على حساب الحكم التشاركي والتنمية العادلة. وهذا يشكل أزمة سياسية لا تقتصر على الاقتصاد، بل تتطلب تدخلًا فوريًا وإعادة تصحيح.
تتطلب مواجهة هذا التغلغل الاستبدادي تعبئة مجتمعية شاملة تضم منظمات المجتمع المدني، والحركات العمالية، والشبكات البيئية، والمؤسسات الدينية، والجامعات، والشباب. يجب الضغط على البرلمان لمراجعة كل الصفقات الإماراتية، والتأكد من شفافيتها، وإجراء تقييمات بيئية واجتماعية، والحصول على موافقة المجتمعات. يجب دعم المؤسسات المستقلة لحماية حقوق الإنسان والعمال، وتمكين الإعلام من التحقيق وكشف الانتهاكات.
يمكن لحملات المقاطعة أن تشكل ضغطًا اقتصاديًا، خاصة في مجالات العقارات والسياحة والتجزئة. كما يجب تقوية الصناعات المحلية ودعم نماذج التنمية المجتمعية المستدامة. وفي الخارج، يجب الضغط دبلوماسيًا لإبرام اتفاقيات عمل عادلة ولإلغاء نظام الكفالة.
على المستوى الدولي، يجب على إندونيسيا أن تدفع داخل الآسيان ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة لمحاسبة الفاعلين الدوليين على انتهاكاتهم، وتوجيه التمويل التنموي نحو مبادئ أخلاقية وديمقراطية. كما يمكن للشبكات الحقوقية والبيئية العالمية أن تكون حليفة في الضغط على الإمارات لتغيير ممارساتها.
رفض رأس المال الاستبدادي لا يعني العزلة الاقتصادية، بل هو تأكيد للسيادة والعدالة. فمستقبل إندونيسيا يعتمد على تبني مسار تنموي يحترم كرامة الإنسان، ويحمي البيئة، ويصون التزامها الدستوري بالديمقراطية والمساواة. يجب استرداد الحكم من أيدي الأوليغارشية الخارجية وبناء اقتصاد عادل تشاركي.
إن مقاومة الشعب الإندونيسي التاريخية ضد الاستعمار والاستبداد والظلم، هي القوة الكامنة التي ستواجه التحديات المعاصرة. يجب أن تكون إندونيسيا قدوة للعالم الإسلامي—مدافعة عن العدالة والسيادة والتضامن، ورافضة للرمزية الفارغة ومقدّمة للناس على الأرباح.
No data availble
2026 All Rights Reserved © International Boycott UAE Campaign