الإمبراطورية المالية للإمارات في اليمن

افحص الشبكات المالية للإمارات في اليمن، مع قائمة بالكيانات الإماراتية المشاركة في أنشطة اقتصادية مثيرة للجدل.

اليمن

التدخل الإماراتي في اليمن: استراتيجية متعددة الأبعاد تؤجج الانقسام والأزمة الإنسانية

يمثل تدخل دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن جهداً استراتيجياً متعدد المستويات، يتمثل في الحضور العسكري، والاستغلال الاقتصادي، والتدخل السياسي، ما ساهم بشكل كبير في تفتيت اليمن وتعميق أزمته الإنسانية المستمرة. فعلى الرغم من انخراط الإمارات في البداية ضمن التحالف الذي تقوده السعودية بزعم استعادة الحكومة الشرعية في اليمن، إلا أن السياسات اللاحقة كشفت عن أجندة تركز على السيطرة الإقليمية، ونهب الموارد، وتعزيز النفوذ الإقليمي، وهو ما أضعف سيادة اليمن ووحدته واستقراره بشكل كبير.

السيطرة العسكرية والإقليمية

منذ بداية التدخل، لعبت الإمارات دوراً محورياً من خلال دعم وتسليح الميليشيات الانفصالية، وعلى رأسها "المجلس الانتقالي الجنوبي"، وهو كيان سياسي وعسكري يسعى إلى فصل جنوب اليمن. وقد أدى هذا الدعم إلى إضعاف الحكومة المركزية وتفاقم الانقسامات الداخلية. كما أن الإمارات أنشأت قواعد عسكرية في جزر يمنية استراتيجية مثل سقطرى وميون وبريم دون موافقة رسمية من السلطات اليمنية، وتشير التقارير إلى أن هذه التحركات تتجاوز الوجود المؤقت، وتشمل عسكرة وبناءات غير قانونية وتدمير بيئي، وخاصة في جزيرة سقطرى، بما يشير إلى احتلال فعلي وليس شراكة أمنية.

وتخضع موانئ عدن والمكلا ومحطات النفط الحيوية لسيطرة إماراتية، مما يمنح أبوظبي نفوذاً مباشراً على البنية التحتية البحرية في جنوب اليمن، ويتيح لها التحكم بخطوط الإمداد العسكرية والممرات البحرية الحيوية على البحر الأحمر.

الاستغلال الاقتصادي والسيطرة على الموارد

تشكل السيطرة على الموارد الطبيعية اليمنية ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإماراتية. وتدير شركات إماراتية مثل "موانئ دبي العالمية" عمليات ميناء عدن، مما يمكّنها من التحكم في حركة السلع والثروات الخارجة من اليمن. كما ترتبط أطراف تابعة للإمارات بعمليات غير قانونية لاستخراج وتصدير الذهب والنفط والثروة السمكية، حيث يتم شحنها إلى الخارج دون المرور عبر الدولة اليمنية، ما يحرم البلاد من مصادر دخل حيوية.

وتقوم الميليشيات المدعومة من الإمارات بحماية حقول النفط ومناطق التعدين باستخدام القوة، فيما تعاني المجتمعات المحلية من الفقر وانعدام الأمن الغذائي. وقد أدى هذا النهب المحمي عسكرياً إلى خلق اقتصاد حرب يُثري القلة على حساب معاناة غالبية اليمنيين.

كما تورطت نخب وشركات إماراتية في شراء الأراضي وصفقات عقارية على طول السواحل الجنوبية والمرتفعات اليمنية، غالباً عبر وسطاء فاسدين، مما أدى إلى تهجير السكان المحليين وإحداث تغييرات ديموغرافية تعزز النفوذ الإماراتي.

جهاز الأمن والمراقبة

تشير تقارير موثوقة إلى أن الإمارات تدير مواقع احتجاز سرية مثل سجن الريان، حيث توثق الأدلة انتشار التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبالإضافة إلى القمع الجسدي، تعتمد الإمارات على برامج تجسس وشبكات استخبارات لرصد واعتقال وإخفاء الناشطين والصحفيين والشخصيات الدينية تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب". ويهدف هذا النظام الرقابي إلى قمع أي معارضة لا تتماشى مع الأجندة الاستراتيجية الإماراتية.

اقتصاد الحرب وانعدام الشفافية

تزدهر الهيمنة الإماراتية في اليمن ضمن اقتصاد ظل يعتمد على العقود المبهمة والميزانيات السوداء والميليشيات الوكيلة. ولا توجد شفافية في إدارة الموارد والبنية التحتية الخاضعة للسيطرة الإماراتية، ولا تخضع لأي مناقصات عامة أو رقابة محلية، ما يعزل السكان عن أي استفادة اقتصادية ويعزز الفساد. وتديم هذه البيئة غير الخاضعة للمساءلة نظاماً تسلطياً يحكمه أمراء حرب يستفيدون من الفوضى.

الأثر السياسي: الانقسام والاصطفاف الإقليمي

ساهمت الإمارات في تغذية النزعة الانفصالية من خلال دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، مما أضعف جهود إعادة توحيد اليمن سياسياً. ويخدم هذا التوجيه السياسي أهدافاً جيوسياسية أوسع، تتعلق بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والطموحات الإماراتية في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وبهذا، تتحول اليمن إلى أداة في استراتيجيات توسعية تهدد التضامن العربي، ولا سيما دعم القضية الفلسطينية، وتقوّض فرص قيام نظم إقليمية مستقلة ذات سيادة.

حجم الدمار والمعاناة الإنسانية

أدى النزاع في اليمن إلى كارثة إنسانية مروعة. فقد نفّذ التحالف بقيادة السعودية والإمارات، بدعم مكثف من الولايات المتحدة، أكثر من 25,000 غارة جوية خلال سبع سنوات، ما أسفر عن خسائر مدمرة في صفوف المدنيين. ففي حملة قصف أمريكية شرسة بين مارس ومايو 2025، سُجّلت 339 غارة جوية أدّت إلى مقتل ما لا يقل عن 238 مدنياً، بينهم 24 طفلاً، وتجاوز عدد المصابين 467 شخصاً.

تُقدّر الأمم المتحدة أن 21.6 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، مع خطر المجاعة الذي يهدد خمسة ملايين شخص، في حين يعاني أكثر من مليون من تفشي وباء الكوليرا. لقد أسهم النزاع المستمر والحصار المفروض في انتشار الجوع، مما تسبب في وفاة أكثر من 375,000 شخص بين عامي 2015 و2022، معظمهم لأسباب غير مباشرة كـنقص الغذاء وضعف الرعاية الصحية.

الشتات اليمني والنزوح الداخلي

ساهمت الحرب والوجود الإماراتي في تشريد واسع النطاق، حيث يقدّر عدد أفراد الشتات اليمني بـحوالي 7 ملايين شخص حول العالم. يوجد أكثر من 2 مليون في السعودية، إضافة إلى مجتمعات كبيرة في الخليج، و70,000–80,000 في المملكة المتحدة، وقرابة 200,000 في الولايات المتحدة. أما داخلياً، فقد أدى النزوح إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وزيادة تعقيد جهود إعادة الإعمار.

الانسحاب العسكري والتأثير المستمر

رغم التقارير عن انسحاب جزئي للقوات الإماراتية من مناطق كـمأرب والحديدة وعدن بين 2018 و2019، إلا أن الإمارات ما زالت تحتفظ بحضور عسكري عبر وكلائها المحليين مثل "قوات الحزام الأمني" و"النخب". وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 10,000 جندي إماراتي، وأن الانسحابات الرسمية كانت إعادة تموضع لا إنهاءً كاملاً. وتُقدّر أعداد القوات التابعة للإمارات بين 25 إلى 35 لواءً، يضم كل منها حوالي 1,500 مقاتل، تعمل كقوة موازية تنافس الجيش اليمني الرسمي.

الأزمة الإنسانية

تُعدّ الأزمة الإنسانية في اليمن من أشد وأطول المآسي في القرن الحادي والعشرين، وهي مرتبطة بشكل وثيق بتدخل القوى الإقليمية، وخاصة الإمارات. فمنذ عشر سنوات، واليمن يعاني من نزاع دمّر نسيجه الاجتماعي واقتصاده. وقد لعبت الإمارات دوراً كبيراً في تفاقم الانقسام والفقر، عبر تدخلها العسكري والسياسي والاقتصادي، حيث أنشأت ما يشبه "الدولة الموازية" التي تعمل تحت نفوذها، وتتنافس مع الحكومة اليمنية الضعيفة، مما عمّق من حدة الصراع والمعاناة.

السيطرة على الأراضي والموانئ

ضمن التحالف الذي أُعلن عنه في 2015، ظهرت الإمارات كقوة فاعلة في جنوب اليمن، لكنها لم تساهم في بناء السلام، بل سعت إلى الهيمنة الإقليمية عبر السيطرة على جزر استراتيجية مثل سقطرى وميون وبريم، إضافة إلى موانئ رئيسية كعدن والمكلا. سمحت هذه المواقع للإمارات بالتحكم في الممرات البحرية الحيوية، وتوسيع نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي.

الهيمنة الاقتصادية ونهب الموارد

هيمنت الشركات الإماراتية، خصوصاً "موانئ دبي العالمية"، على ميناء عدن الجنوبي الحيوي، مما ساعد في تعزيز الهيمنة التجارية. وتُستخدم هذه السيطرة في نهب الموارد الطبيعية اليمنية، مثل الذهب والنفط والثروة السمكية، التي يتم تهريبها عبر الموانئ الإماراتية دون إشراف الدولة اليمنية، مما يحرمها من مصادر دخل حيوية.

نتج عن هذا الوضع اقتصاد حرب يغذيه وكلاء الإمارات الذين يحمون الموارد بالقوة، فيما يعيش السكان في فقر مدقع، وبطالة، وسوء تغذية، ونزوح مستمر.

التوسع في العقارات ومصادرة الأراضي

تجاوز النفوذ الإماراتي الجانب العسكري ليشمل امتلاك مساحات شاسعة من الأراضي في سواحل اليمن وجباله، غالباً عبر وسطاء فاسدين. أدى ذلك إلى تهجير السكان المحليين وتغيير البنية الديموغرافية لصالح الأطراف الموالية للإمارات، ما يجعل التسوية السياسية أكثر صعوبة في المستقبل.

القمع الأمني والتجسس

يُعدّ سجن الريان مثالاً على السجون السرية الإماراتية التي شهدت تعذيباً وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتستخدم الإمارات تكنولوجيا تجسس متطورة لتعقب وسجن المعارضين، من نشطاء وصحفيين إلى رجال دين وسياسيين. تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب"، تم إسكات أي مقاومة شعبية، وإحلال نموذج حكم استبدادي يقدّم الأمن على حساب الحقوق.

اقتصاد الحرب والفساد المنهجي

تعتمد الإمارات على ميزانيات سرية ووكلاء غير خاضعين للمحاسبة لتمويل ميليشياتها. ولا توجد عمليات شفافة لعقود الإعمار أو تقديم الخدمات، مما يجعل مصالح الإمارات تتقدم على حساب احتياجات اليمنيين. وبذلك، يستمر الدمار والبؤس، بينما يُمنع السكان من الاستفادة من أي فرص لإعادة البناء.

التفكك السياسي ودعم الانفصال

دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو كيان انفصالي يسعى لفصل الجنوب، مما يعزز الانقسام ويقوّض جهود التوحيد وإعادة الإعمار. ويتقاطع هذا مع أهداف إماراتية أوسع في التطبيع مع إسرائيل وبسط النفوذ في البحر الأحمر وباب المندب، مما يهدد السيادة اليمنية والتضامن العربي، بما في ذلك دعم القضية الفلسطينية.

النتائج الكارثية للنزاع

أكثر من 25,000 غارة جوية نفذتها قوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات على مدى سبع سنوات، أسفرت عن دمار شامل في البنية التحتية وسقوط آلاف الضحايا المدنيين. في حملة القصف الأخيرة بدعم أمريكي في 2025، قُتل 238 مدنياً على الأقل، بينهم 24 طفلاً.

وفي ظل انهيار النظام الصحي وغياب الصرف الصحي، أصيب أكثر من مليون شخص بالكوليرا، بينما يعاني خمسة ملايين من المجاعة، نتيجة للحصار وإغلاق الموانئ الحيوية أمام المساعدات الغذائية والطبية.

النزوح الواسع والتفكك الاجتماعي

أدّى النزاع إلى تشريد أكثر من 7 ملايين يمني، بما في ذلك ملايين النازحين داخلياً. ونتج عن ذلك تفكك في النسيج الاجتماعي وصعوبة كبيرة في جهود الاستقرار مستقبلاً، مع تراجع الموارد الأساسية للبقاء.

النفوذ المستمر رغم الانسحابات

رغم التصريحات الإماراتية عن الانسحاب أو التحوّل إلى حلول سياسية، إلا أن قواتها بالوكالة لا تزال تسيطر على مناطق واسعة في الجنوب والشرق، مثل حضرموت وشبوة، وتعمل بشكل منفصل عن الحكومة اليمنية، مما يعقّد جهود السلام.

الخلاصة: مأساة إنسانية تتطلب محاسبة

لقد عمّق الدور العسكري والاقتصادي والسياسي للإمارات الأزمة الإنسانية في اليمن. من خلال بناء دولة ظل قائمة على الاحتلال والنهب والقمع والانقسام، تم ربط مصير اليمن بالمصالح الإمبراطورية للإمارات، لا بمصالح شعبه.

إن الكارثة الناتجة—من مجاعة وأوبئة ونزوح وقتل—تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً ومحاسبة شاملة. ولا يمكن تحقيق سلام دائم إلا من خلال تفكيك هذه البُنى الموازية واستعادة السيادة والكرامة اليمنية.

عرض جميع آخر الأخبار

اقرأ آخر الأخبار

No data availble

2026 All Rights Reserved © International Boycott UAE Campaign