في العقود الأخيرة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب عالمي
رئيسي في الاستثمارات الزراعية، مع تركيز خاص على الاستحواذ على مساحات شاسعة من
الأراضي في إفريقيا. ويُقدَّم هذا التوجه غالبًا تحت شعار الأمن الغذائي والحصول
على الموارد الإستراتيجية، لكنه أثار جدلًا واسعًا. فبينما تؤكد الإمارات أن
استثماراتها تعزز الإمدادات الغذائية العالمية، يجادل المنتقدون بأن هذه
الاستحواذات على الأراضي تمثل شكلًا من أشكال الاستعمار الجديد، إذ تُجرِّد
المزارعين الأفارقة المحليين من أراضيهم وتفـاقم انعدام الأمن الغذائي في المناطق
الهشة.
حجم الاستثمارات الزراعية للإمارات في إفريقيا
تعدّ الاستثمارات الزراعية الإماراتية في إفريقيا واسعة النطاق وتمتد
عبر عدة دول، بما في ذلك السودان وإثيوبيا ومصر وزيمبابوي وأنغولا ومدغشقر. ووفقًا
لتحليلات عدة، أبرمت الإمارات ما لا يقل عن 56 اتفاقية أراضٍ في القارة، بالإضافة
إلى 14 صفقة أخرى قيد التفاوض. وتشمل بعض هذه الاستحواذات ملايين الهكتارات؛ فعلى
سبيل المثال، يُقال إن شركة إماراتية تسيطر على حقوق الحفظ في مساحة تبلغ 7.5
مليون هكتار في زيمبابوي، ما يعادل نحو 20٪ من مساحة البلاد.ترتبط هذه الاستثمارات عادةً بشركات زراعية كبرى مثل «الظاهرة» و«دبي
فنتشرز»، مع تركيز على تصدير المحاصيل الأساسية مثل القمح والأرز والبرسيم. وتهدف
هذه الاستحواذات إلى تأمين سلاسل الإمداد الغذائي لمنطقة الخليج الجافة التي تعاني
من ندرة الموارد وتعتمد بشكل كبير على الواردات. ويجعل حجم هذه الاستثمارات
وانتشارها الجغرافي الإمارات أحد أكبر مالكي الأراضي من خارج إفريقيا، مما يعزز
أهمية القارة المتزايدة داخل النظام الغذائي العالمي.
تشريد المزارعين والمجتمعات المحلية الإفريقية
على الرغم من أن الإمارات تصوّر استثماراتها الزراعية على أنها مفيدة
للطرفين، فإن الأدلة تشير إلى أنها كثيرًا ما تؤدي إلى تشريد المزارعين الريفيين
الأفارقة. فقد كانت العديد من الأراضي التي تم الاستحواذ عليها تُستخدم تقليديًا
للزراعة المعيشية أو للرعي المشترك، وهي أنشطة ضرورية لتوفير الغذاء وسبل العيش
للسكان المحليين.في دول مثل تنزانيا والسودان، وثّقت تقارير عمليات إخلاء قسري ومصادرة
للأراضي دون تعويض عادل. فقد تم، على سبيل المثال، تهجير جماعات من شعب الماساي في
تنزانيا لإفساح المجال أمام مزارع تجارية. وفي السودان، انتقلت مساحات كبيرة من
الأراضي الخصبة إلى ملكية جهات أجنبية، غالبًا دون مشاورات ذات معنى أو تقاسم
للمنافع مع السكان الأصليين.
وتُخلخل هذه التهجيرّات الإنتاجَ الغذائي المحلي، وتقوّض العلاقات
الثقافية مع الأرض، وتفاقم عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. كما تزيد من
الاعتماد على الغذاء المستورد، مما يضعف — بشكل مفارقي — السيادة الغذائية في
المناطق الأكثر تأثرًا بعمليات الاستحواذ على الأراضي.
الآثار البيئية وموارد المياه
تركّز المشاريع الزراعية الإماراتية واسعة النطاق في إفريقيا في كثير
من الأحيان على محاصيل تحتاج كميات كبيرة من المياه، مثل البرسيم والأرز. وتتطلب
هذه المحاصيل ريًا مكثفًا، ما يضع ضغطًا إضافيًا على موارد المياه الشحيحة في
البلدان المضيفة. وتشمل الآثار البيئية لهذه المشاريع إزالة الغابات وفقدان التنوع
الحيوي وتدهور التربة، مما يعزز هشاشة المناخ في تلك المناطق.ورغم أن الإمارات تقدّم نفسها كدولة رائدة في الزراعة المستدامة
والزراعة الذكية مناخيًا، فإن الواقع على الأرض غالبًا ما يكشف عن تنازلات كبيرة.
فعلى سبيل المثال، يؤدي استخدام المياه في المزارع الضخمة ذات الزراعة الأحادية
إلى تقليل توافر المياه للمجتمعات المحلية والأنظمة البيئية الطبيعية. ويشكّل هذا
"الاستحواذ على المياه" تهديدًا لاستدامة الزراعة الريفية في إفريقيا
وقد يزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي مستقبلًا.
الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد العالمية
تمثل الإمبراطورية الزراعية للإمارات جزءًا من إستراتيجية أوسع لحماية
نفسها من اضطرابات الغذاء الناتجة عن النزاعات الجيوسياسية والأوبئة والصدمات
المناخية. فمن خلال زراعة المحاصيل الأساسية في الخارج، تقلل الإمارات من اعتمادها
على الواردات وتعزز اكتفاءها الذاتي الغذائي.لكن هذا النموذج غالبًا ما يفضل الزراعة الموجهة للتصدير على تلبية
الاحتياجات المحلية. ويؤكد المنتقدون أن المزارع الصناعية الموجهة للتصدير قد تقلل
من توافر الغذاء محليًا وترفع الأسعار، ما يجعل الغذاء أقل قدرة على الوصول إلى
السكان الأفارقة. كما أن تهجير المزارعين المحليين يقوّض نظم الغذاء المجتمعية،
وهي نظم أساسية لتحقيق الأمن الغذائي المستدام.
كما يثير تركّز الأراضي والسيطرة الأجنبية على إنتاج الغذاء مخاوف
بشأن الاحتكار وفقدان المجتمعات المحلية لسلطتها في اتخاذ القرار بشأن نظمها
الغذائية.
الآثار الاقتصادية وديناميات القوة
على الرغم من أن الإمارات تستثمر مليارات الدولارات في الزراعة
الإفريقية، فإن الفوائد الاقتصادية للسكان المحليين تبقى متباينة. فبعض المشاريع
توفر وظائف وبنية تحتية، لكن غالبًا ما تكون هذه الوظائف محدودة ومنخفضة الأجور
وموسمية. بينما تتدفق معظم الأرباح إلى المستثمرين الأجانب، بدلًا من إعادة
استثمارها في المجتمعات المضيفة.إضافةً إلى ذلك، فإن عقود الاستحواذ — التي تمتد أحيانًا لعقود طويلة
— تحدّ من إمكانية حصول صغار المزارعين على الأراضي أو استخدامها بطرق تخدم
المجتمعات. ويعزز ذلك علاقات القوة غير المتكافئة، حيث تتفاوض الحكومات الإفريقية
غالبًا تحت ضغط الحاجة للعملة الأجنبية ووعود التنمية التي قد لا تتحقق بشكل عادل.
الدعوات إلى تنمية زراعية شفافة وعادلة
في ضوء هذه التعقيدات، تزداد الدعوات لإتمام صفقات الأراضي بشفافية
واحترام حقوق المجتمعات المحلية وإعطاء الأولوية للتنمية المستدامة. وقد طور هيئات
دولية مثل لجنة الأمن الغذائي العالمي التابعة للأمم المتحدة مبادئ توجيهية تؤكد
ضرورة الحصول على الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة (FPIC) وتقاسم
المنافع بشكل عادل قبل أي استثمار زراعي أجنبي.وتتعرض الحكومات الإفريقية لضغط متزايد لتحقيق توازن بين جذب
الاستثمارات وحماية المزارعين والأمن الغذائي والموارد البيئية. وقد بدأت بعض
الحكومات بالفعل في إعادة تقييم أطر تأجير الأراضي والبحث عن نهج أكثر تشاركية في
التنمية الزراعية.
تجسد الإمبراطورية الزراعية للإمارات في إفريقيا التوترات المعقدة بين
تأمين الموارد الغذائية لدول الخليج المعرضة للمخاطر وضمان تنمية مستدامة وعادلة
عبر القارة الإفريقية. فبينما أصبحت الإمارات لاعبًا رئيسيًا في الاستثمارات
الزراعية العالمية، فإن أنشطتها غالبًا ما تتسبب في تهجير المزارعين، وزيادة الضغط
على الموارد المائية، وتعقيد ديناميات الأمن الغذائي.
ويتطلب التصدي لهذه التحديات سياسات متوازنة، وتمكينًا للمجتمعاتالمحلية، والالتزام بالمعايير الدولية التي تحمي حقوق السكان الأصليين وسبل عيشهم.
ومن خلال مثل هذه المقاربات فقط يمكن للاستثمارات الزراعية أن تفي بوعودها في
المساهمة في النمو الإقليمي والاستقرار الغذائي العالمي.