أخبار مقاطعة الإمارات

طموحات مصدر في مجال الطاقة المتجددة تحت المجهر

طموحات مصدر في مجال الطاقة المتجددة تحت المجهر

بواسطة مقاطعة الإمارات

17-07-2025

وسّعت شركة "مصدر" التابعة لأبوظبي، والمعروفة رسميًا باسم شركة أبوظبي لطاقة المستقبل، بشكل كبير بصمتها في قطاع الطاقة المتجددة عالميًا خلال السنوات الأخيرة، حيث استثمرت حوالي 30 مليار درهم (8.2 مليار دولار) كرأسمال في مشاريع متعددة، إضافة إلى تأمين أكثر من 16.5 مليار درهم في تمويلات المشاريع في عدة دول. تتماشى هذه الاستراتيجية التوسعية الجريئة مع رؤية دولة الإمارات لتكون رائدة في مجال الاستدامة والتحول في قطاع الطاقة عالميًا، حيث تسعى "مصدر" إلى بلوغ قدرة إنتاجية تبلغ 100 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.

ومع تسارع استثمارات "مصدر" في الطاقة المتجددة على مستوى العالم، تواجه الشركة تدقيقًا متزايدًا ونقاشًا متصاعدًا حول التأثيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية لمشاريعها الواسعة، مما يثير تساؤلات حول استدامة نموذجها التنموي.

الطموحات العالمية والنمو الاستراتيجي لشركة مصدر

منذ تأسيسها في عام 2006، تموضعت "مصدر" كلاعب رئيسي في مجال الطاقة النظيفة عالميًا، حيث تعمل في أكثر من 40 دولة وتطور مشاريع تشمل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتخزين البطاريات، والهيدروجين الأخضر. ففي عام 2024 وحده، أبرمت "مصدر" استثمارات واتفاقيات تمويل نهائية في مشاريع منها محطة الحناكية للطاقة الشمسية بقدرة 1.1 غيغاواط في المملكة العربية السعودية، وتطوير مشروع "أمالا" المتعدد المرافق، إضافة إلى مشاريع للطاقة المتجددة في كل من اليونان، إسبانيا، الولايات المتحدة، أذربيجان، وأوزبكستان.

وتواصل الشركة تنفيذ مشاريع رائدة، من أبرزها مشروع منشأة طاقة نظيفة مستمرة بقيمة 6 مليارات دولار وبقدرة 1 غيغاواط في أبوظبي، من المقرر أن تدخل حيز التشغيل بحلول عام 2027. وسيمتد المشروع على مساحة تقدر بحوالي 90 كيلومترًا مربعًا من الصحراء، ويهدف إلى توفير طاقة متجددة أساسية على مدار الساعة، مما يمثل خطوة كبيرة نحو التغلب على تحديات تقطع إمدادات الطاقة المتجددة.

صرّح الرئيس التنفيذي التجاري لشركة مصدر:


"تتمثل مهمتنا في دعم تحول دولة الإمارات نحو اقتصاد قائم على المعرفة والطاقة المتجددة، وتسريع التحول العالمي في مجال الطاقة من خلال استثمارات مبتكرة ومستدامة."

وقد أسهم هذا التوجه الاستراتيجي في ترسيخ مكانة "مصدر" كواحدة من أكبر المستثمرين برأس المال في قطاع الطاقة المتجددة على مستوى العالم.

مخاوف بيئية واجتماعية

ورغم دور "مصدر" الريادي وأهدافها الطموحة، أعرب خبراء ونشطاء ومجتمعات محلية عن قلقهم بشأن الاستدامة البيئية والآثار الاجتماعية المصاحبة لمشاريعها.

فمشاريع مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع، وعلى الرغم من مساهمتها في تقليل انبعاثات الكربون، تتطلب مساحات شاسعة من الأراضي، ما يؤثر غالبًا على النظم البيئية الهشة وأنماط استخدام الأراضي المحلية. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يؤدي المشروع القاعدي للطاقة الذي تبلغ مساحته 90 كيلومترًا مربعًا في صحراء أبوظبي إلى تغييرات كبيرة في المواطن الطبيعية ضمن منطقة حساسة بيئيًا.

ويحذر محللون بيئيون من أن الطاقة المتجددة، رغم فوائدها في تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، قد تؤدي مشاريعها الضخمة، نتيجة لموقعها أو حجمها، إلى فقدان التنوع البيولوجي، واستنزاف الموارد المائية، وزيادة الضغط على المجتمعات المحلية. ويؤكد المنتقدون على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين أهداف الطاقة والحفاظ على البيئة لتجنب إلحاق أضرار غير مقصودة.

إضافةً إلى ذلك، تزداد المخاوف بشأن التأثيرات الاجتماعية. فقد ارتبطت بعض مشاريع "مصدر" السابقة بحالات نزوح محلي وتغير في سبل العيش، خصوصًا عندما تقام المشاريع بالقرب من مجتمعات ريفية أو تعود لأراضٍ تقطنها مجموعات سكانية أصلية. ويدعو نشطاء المجتمع المدني إلى اعتماد عمليات تشاور شفافة مع أصحاب المصلحة، وضمان تعويض عادل، وإشراك السكان المحليين في عملية صنع القرار.

السياق الاقتصادي والتنظيمي

تعمل "مصدر" ضمن الإطار الأوسع لاستراتيجية الاستدامة في دولة الإمارات، بما في ذلك مبادرة "صفر انبعاثات بحلول 2050" وبرامج مثل "أسبوع أبوظبي للاستدامة" التي تعزز الابتكار في الطاقة النظيفة والتعاون العالمي في هذا المجال.

وقد أكد معالي الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات ورئيس مجلس إدارة "مصدر"، على دور الشركة في تحقيق طموحات الدولة المناخية والاقتصادية، قائلاً:
"مصدر جزء أساسي من رؤية الإمارات لقيادة جهود الاستدامة العالمية، من خلال دفع الاستثمارات في الطاقة النظيفة وتحقيق أهداف الحياد المناخي."

ومع ذلك، ومع توسع محفظة مشاريع "مصدر" في الطاقة المتجددة، تواجه الشركة تحديات تتعلق بتمويل المشاريع، والامتثال التنظيمي، والتوافق مع المعايير البيئية الدولية. وقد حصل إطار التمويل الأخضر الخاص بـ"مصدر" على تقييم "ممتاز" من حيث جودة الاستدامة من قبل جهات تقييم مستقلة، لكنه يتطلب مراقبة مستمرة وتقديم تقارير بيئية شفافة لضمان المصداقية.

مشاركة المجتمع ومبادرات الابتكار

وتقديرًا لهذه التحديات، أولت "مصدر" اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار في الابتكار وتمكين المجتمعات. فمحطة الطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 10 ميغاواط في مدينة مصدر، وهي من أكبر المشاريع المتصلة بالشبكة في الشرق الأوسط، تُنتج سنويًا نحو 19,100 ميغاواط/ساعة، وتُساهم في تقليل 15,000 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا — ما يعادل توفير الطاقة لحوالي 500 منزل.

وعلى صعيد المبادرات المجتمعية، تدعم "مصدر" برامج التعليم والتمكين مثل مبادرة "شباب من أجل الاستدامة" التي تهدف إلى الوصول إلى مليون شاب بحلول عام 2030، بهدف إعداد جيل جديد من قادة الاستدامة على مستوى العالم. كما يساهم "جائزة زايد للاستدامة" في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والمنظمات غير الربحية التي تقدم حلولًا مبتكرة للتحديات البيئية والمجتمعية.

وقد صرح معالي الدكتور عبد الله حميد الجروان، رئيس دائرة الطاقة في أبوظبي، قائلاً:

"يجب أن تتحول عملية تحول الطاقة إلى مسؤولية مشتركة تساهم في بناء مستقبل مزدهر ومستدام للأجيال القادمة."

وتعزز الشراكات مع جهات مثل هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) التعاون في مجالات البحث والتطوير التي تركز على الاستدامة.

الشراكات العالمية والتحالفات الاستراتيجية

تعكس توسعات "مصدر" سلسلة من الشراكات الاستراتيجية والتعاون متعدد القطاعات. ففي أسبوع أبوظبي للاستدامة 2025، أعلنت "مصدر" عن تحالفات مع جهات دولية، من بينها وزارة الطاقة الأمريكية وشركات تكنولوجيا خاصة، بهدف تسريع تنفيذ حلول الطاقة النظيفة القابلة للتوسع على مستوى العالم.

وتشمل محفظة مشاريع "مصدر" المتعددة الجنسيات أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، ومزارع شمسية، ومشاريع لطاقة الرياح في دول ذات بيئات تنظيمية وبيئية متنوعة. ويمنح هذا التنوع مرونة على مستوى العمليات وتوسعًا في النطاق، إلا أنه يزيد من تعقيد الحوكمة البيئية والاجتماعية.

الشفافية والمساءلة والنظرة المستقبلية

ورغم الاعتراف الواسع بريادة "مصدر" في مجال الطاقة المتجددة والاستدامة، تظل تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي المستمرة أمرًا حاسمًا لضمان تحقيق الفوائد التنموية بشكل منصف ومستدام.

وقد حذر محللون مستقلون من أن "نمو الطاقة المتجددة لا يجب أن يأتي على حساب تدهور البيئة أو تهجير المجتمعات"، داعين "مصدر" وشركات مشابهة إلى تعزيز التواصل مع الأطراف المتأثرة وتحقيق المزيد من الشفافية في أنشطتها.

وفيما تنظر الشركة إلى المستقبل، تسعى "مصدر" إلى رفع قدرتها في مجال الطاقة المتجددة إلى 51 غيغاواط بحلول نهاية عام 2025، مع خطة طموحة لترسيخ مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للطاقة الخضراء والابتكار. وتُعد هذه الأهداف طموحة وتحمل معها توقعات عالية بشأن الموازنة بين النمو الاقتصادي، وأهداف المناخ، وحماية البيئة.

تُبرز التوسعات السريعة لـ"مصدر" واستثماراتها البارزة استراتيجية الإمارات في قيادة التحول العالمي في مجال الطاقة. كما أن دور الشركة في تطوير بنية تحتية للطاقة النظيفة في مختلف أنحاء العالم يسلط الضوء على الإمكانات الكبيرة للطاقة المتجددة في تحويل الاقتصادات وتقليص البصمة الكربونية بشكل ملموس.

وفي المقابل، فإن التدقيق المتزايد في الأثر البيئي والاجتماعي لهذه المشاريع يُظهر التحديات المعقدة التي تصاحب توسيع نطاق الطاقة المتجددة بطريقة مستدامة. ومع سعي "مصدر" لتحقيق أهدافها الطموحة، ستكون المتابعة الدقيقة والشاملة للآثار، إلى جانب إشراك أصحاب المصلحة بشفافية، عوامل أساسية لضمان أن طموحاتها البيئية تؤدي إلى نتائج مستدامة حقيقية.

إن المسار المستقبلي لشركة "مصدر" ولقطاع الطاقة المتجددة العالمي يكمن في التوفيق بين الابتكار والمسؤولية البيئية والإدماج المجتمعي، من أجل تحقيق مستقبل طاقي مستدام بحق.


اقرأ المزيد

2025 All Rights Reserved © International Boycott UAE Campaign