أعلنت المفوضية الأوروبية عن فتح تحقيق معمق في استحواذ شركة بترول
أبوظبي الوطنية (أدنوك) على شركة كوفيسترو الألمانية المتخصصة في الصناعات
الكيميائية، ما يمثل حالة محورية في تطبيق لائحة الدعم الأجنبي الجديدة في الاتحاد
الأوروبي. ويسلط هذا التحقيق الضوء على كيفية تأثير الدعم الحكومي من المؤسسات
المملوكة للدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على تشويه المنافسة داخل السوق
الموحدة. وتتمحور القضية حول ضمان تكافؤ الفرص في السوق، ونزاهة عمليات الدمج
والاستحواذ، والإطار التنظيمي الأوسع المتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر في
القطاعات الاستراتيجية بأوروبا.
خلفية الصفقة ونطاقها
أدنوك، شركة النفط والغاز المملوكة لحكومة دولة الإمارات العربية
المتحدة، قامت بعملية استحواذ كبيرة على كوفيسترو، وهي شركة ألمانية رائدة في
تصنيع البوليمرات عالية الأداء والمنتجات الكيميائية. بلغت قيمة الصفقة نحو 14.7
مليار يورو (17.2 مليار دولار)، وأسفرت عن امتلاك أدنوك وشريكها الاستثماري XRG نسبة 91.3% من كوفيسترو بحلول ديسمبر 2024. وقد جاءت هذه الخطوة عقب
عرض علني في أكتوبر 2024، مما منح أدنوك السيطرة على شركة سجلت إيرادات بقيمة 14.2مليار يورو في عام 2024، رغم تراجع الأرباح وتسجيل خسارة صافية بلغت 266 مليون
يورو في نفس العام.
جذبت الصفقة الانتباه نظراً لأن إيرادات كوفيسترو تجاوزت 500 مليون
يورو داخل الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تلقي دعم أجنبي بأكثر من 50 مليون يورو
خلال السنوات الثلاث الماضية، ما استوجب إخطار المفوضية الأوروبية طبقاً للائحة
الدعم الأجنبي. قرار المفوضية بفتح تحقيق معمق، من المتوقع أن يُستكمل بحلول 2
ديسمبر 2025، يمثل تطبيقاً مبكراً لهذه القواعد الجديدة التي تهدف لمعالجة
التشوهات الناتجة عن الدعم الحكومي الأجنبي.
المخاوف بشأن الدعم الأجنبي وتشويه السوق
يتركز تحقيق المفوضية حول مخاوف أولية من أن حكومة الإمارات ربما قدمت
دعماً لأدنوك أثّر على شروط الصفقة وهيكلها. وتشمل هذه الشبهات ضماناً مالياً غير
محدود من الحكومة الإماراتية، إلى جانب التزام بضخ رأسمال إضافي في كوفيسترو، ما
تعتقد المفوضية أنه ساعد أدنوك على تقديم عرض سعر وشروط صفقة "لا تتماشى مع
ظروف السوق" ولا يمكن منافستها من قبل جهات غير مدعومة.
وأوضحت المفوضية هذه المخاوف بشكل صريح:
"قد تكون أدنوك قد قدمت سعراً مرتفعاً للغاية وشروطاً متميزة أخرى، ما
قد يكون قد ثبط عزيمة المنافسين الآخرين عن تقديم عروض... لدى المفوضية مخاوف
أولية من أن الدعم الأجنبي قد مكّن أدنوك من الاستحواذ على كوفيسترو بقيمة وشروط
مالية لا تتوافق مع السوق."
قد تظهر آثار هذا التشويه بوجهين رئيسيين: أولاً، تثبيط المتقدمين
الآخرين عن تقديم عروض منافسة، ما يضعف عدالة عملية الاستحواذ نفسها. وثانياً، بعد
الاستحواذ، قد تستغل أدنوك الدعم الأجنبي في تنفيذ استراتيجيات استثمارية لا تستند
إلى اعتبارات تجارية بحتة، ما قد يضر المنافسة داخل السوق الأوروبية الموحدة.
وتعكس هذه المخاوف الهدف السياسي للاتحاد الأوروبي من تطبيق لائحة الدعم الأجنبي،
لضمان تكافؤ الفرص ومنع الدعم الأجنبي من تعطيل ديناميكيات السوق أو تقليص
الاستثمارات الخاصة.
الأداء المالي والتأثير السوقي لشركة كوفيسترو
رغم تراجع الإيرادات بنسبة 1.4% في 2024 وانخفاض الأرباح قبل الفوائد
والضرائب والاستهلاك بنسبة 0.8%، لا تزال كوفيسترو تحتفظ بحضور قوي في السوق، مع
إيرادات تجاوزت 14 مليار يورو. تعكس الخسارة الصافية البالغة 266 مليون يورو
تحديات تشغيلية، لكن التوقعات لعام 2025 تشير إلى تفاؤل حذر، مع إمكانية تحقيق
أرباح تشغيلية تتراوح بين مليار و1.6 مليار يورو وتدفق نقدي تشغيلي قد يصل إلى 300
مليون يورو.
ومع ذلك، سجلت مبيعات الشركة في الربع الثاني من 2025 انخفاضاً بنسبة
8.4%، متجاوزة التوقعات السلبية للأسواق. ورغم ذلك، أظهر سعر السهم صموداً طفيفاً
بعد تأكيد الشركة ثقتها في إتمام صفقة أدنوك، رغم تحقيق المفوضية.
وفي هذا السياق، صرح الرئيس التنفيذي ماركوس شتايلمان قائلاً:
"الشراكة الاستراتيجية مع أدنوك هي الخطوة الصحيحة لكوفيسترو في الوقت
المناسب... سنتمكن من تنفيذ استراتيجيتنا للاستدامة بشكل أكثر اتساقاً."
وهو ما يبرز اعتقاد الإدارة بأن دعم أدنوك يمكن أن يعزز التزام
كوفيسترو بالاستدامة والنمو، على الرغم من حالة عدم اليقين التنظيمي.مواقف الأطراف المعنية
تتمركز المفوضية الأوروبية في موقع حامي المنافسة والنزاهة في السوق
الأوروبية الموحدة، وتطبق لائحة الدعم الأجنبي لضمان عدم منح الحكومات الأجنبية
مزايا غير مشروعة تؤثر سلباً على المنافسة. ويهدف التحقيق ليس فقط لفحص نزاهة
عملية الاستحواذ، بل لتقييم سلوكيات ما بعد الاندماج التي قد تضر ببيئة المنافسة.
بدورها، أبدت أدنوك ثقتها في الصفقة، مؤكدة أن مراجعة شاملة للحقائق
ستثبت مشروعية الاستحواذ. كما قالت:
"نحن واثقون من أنه بعد مراجعة جميع الحقائق بدقة، لن يكون هناك ما
يبرر تأخير الموافقة على صفقة ستجلب فوائد كبيرة لجميع الأطراف المعنية وتحفز
الصناعة الأوروبية... أدنوك لديها سجل حافل في خلق القيمة ودفع فرص النمو من خلال
شراكات طويلة الأجل ومثمرة."
من جهتها، أكدت كوفيسترو تعاونها الكامل مع المفوضية وثقتها في إتمام
الصفقة خلال العام الحالي، قائلة:
"نعمل بتعاون تام مع المفوضية للوصول إلى استنتاج ضمن مراجعة لائحة
الدعم الأجنبي"،
مشيرة إلى أن الصفقة لا تزال في مسارها رغم التحقيق المستمر.أهمية اللائحة الأوروبية ودور التحقيق كمثال سابق
أُطلقت لائحة الدعم الأجنبي في عام 2023 لسد فجوة تنظيمية تتعلق
بالاستحواذات المدعومة من حكومات غير أوروبية، حيث لم تكن هذه الممارسات تخضع
للتدقيق الكافي سابقاً. ويعد التحقيق في صفقة أدنوك-كوفيسترو أحد أوائل الاختبارات
الكبرى لهذا الإطار الجديد.
تملك المفوضية 90 يوماً عمل من تاريخ بدء التحقيق لتحديد ما إذا كان
سيتم السماح بإتمام الصفقة، أو الموافقة عليها بشروط، أو منعها إن ثبت تأثيرها
السلبي على المنافسة. وستشكل نتيجة التحقيق سابقة مهمة لكيفية تعامل الاتحاد
الأوروبي مع الدعم الأجنبي، خصوصاً من دول غير أوروبية مثل الإمارات.
يمثل تنظيم مثل هذه الصفقات توازناً دقيقاً بين الترحيب بالاستثمارات
الأجنبية، والتي يمكن أن تعزز النمو والابتكار، وحماية نزاهة السوق الأوروبية. إذا
تم فرض تدابير صارمة، فقد يؤثر ذلك على شهية الاستثمارات المستقبلية من كيانات
حكومية خارج الاتحاد، خاصة من مناطق استراتيجية كمنطقة الخليج.
التأثيرات على الصناعة الكيميائية الأوروبية ومشهد الاستثمار
تعد كوفيسترو ركيزة أساسية في صناعة الكيماويات الأوروبية، حيث تلعب
دوراً بارزاً في المواد المستدامة والمبتكرة. وتغيير ملكيتها لصالح كيان أجنبي
مدعوم حكومياً قد يكون له آثار على سلاسل الإمداد، وأولويات البحث والتطوير،
والمنافسة السوقية.
الموافقة المشروطة أو الرفض التام قد يعيدان تعريف شروط الاستثمار في
الشركات الصناعية الكبرى في أوروبا، وقد يؤثران على طريقة تعامل الكيانات المملوكة
للدول مع صفقاتها المستقبلية، في ظل تشدد الاتحاد الأوروبي في مواجهة الدعم
الأجنبي.
المنافسة، الاستثمار، ونزاهة السوق
تحقيق المفوضية الأوروبية في استحواذ أدنوك على كوفيسترو يجسد
التحديات المعاصرة في عصر العولمة ورأسمالية الدولة والتنظيم الصارم. ومن خلال
تسليط الضوء على "السعر الاستثنائي والشروط المتميزة" المرتبطة بالدعم
الأجنبي، تؤكد المفوضية تصميمها على الحفاظ على عدالة السوق وحيادية المنافسة.
في المقابل، تعكس ثقة أدنوك وتفاؤل كوفيسترو إيماناً بجدوى الصفقة
لصالح الصناعة الأوروبية وأهداف الاستدامة. وتمثل هذه الحالة اختباراً جوهرياً
للائحة الدعم الأجنبي، موضحة التوتر بين الانفتاح على رؤوس الأموال الأجنبية
وحماية السوق من التشويه.
قرار المفوضية النهائي بحلول 2 ديسمبر 2025 سيكون له تداعيات
دائمة—فهو سيحدد كيفية تقييم واعتماد الاستثمارات الأجنبية في القطاعات
الاستراتيجية داخل أوروبا، وقد يعيد رسم قواعد الدمج والاستحواذ على المستوى
العالمي حينما يكون الدعم الحكومي طرفاً في المعادلة.