أطلقت المفوضية الأوروبية تحقيقًا معمقًا في استحواذ شركة بترول
أبوظبي الوطنية "أدنوك" على شركة كوفيسترو الألمانية العملاقة في مجال
الصناعات الكيميائية، في خطوة تمثل نقطة تحول في تطبيق لائحة الدعم الأجنبي
الجديدة (FSR) في الاتحاد الأوروبي.
لا يقتصر هذا التحقيق على فحص تفاصيل واحدة من أكبر صفقات الاستحواذ العابر للحدود
مؤخرًا في أوروبا، والتي بلغت قيمتها 14.7 مليار يورو (17.2 مليار دولار)، بل يعكس
أيضًا توجّهًا أوسع لدى السلطات الأوروبية لمراقبة وتنظيم الاستثمارات الأجنبية
المدعومة من قبل حكومات أجنبية. تستعرض هذه المقالة أبعاد هذا التحقيق من خلال
تحليل البيانات المالية، وجهات نظر الأطراف المعنية، والتداعيات المحتملة على
السوق الأوروبية الموحدة ومستقبل صفقات الاندماج والاستحواذ.
خلفية الاستحواذ وبداية التحقيق
بحلول ديسمبر 2024، نجحت أدنوك، بالشراكة مع مستثمرها المشارك XRG، في الاستحواذ على 91.3% من أسهم كوفيسترو،
متجاوزة بذلك الحد الأدنى المطلوب للقبول، ما جعلها المساهم المسيطر على شركة بلغت
إيراداتها 14.2 مليار يورو في عام 2024. ورغم تسجيل الشركة انخفاضًا طفيفًا في
الإيرادات والأرباح التشغيلية (تراجعت الإيرادات
بنسبة 1.4%، وEBITDA بنسبة 0.8%، مع خسائر
صافية بلغت 266 مليون يورو)، إلا أنها تظل لاعبًا
رئيسيًا في قطاع الصناعات الكيميائية الأوروبية، مع توقعات بـ EBITDA تتراوح بين 1.0 إلى 1.6 مليار يورو لعام 2025.
ويأتي تحقيق المفوضية الأوروبية وسط مخاوف أولية من أن أدنوك قد حصلت
على دعم حكومي من دولة الإمارات، مما مكنها من إتمام الصفقة بشروط قد لا تعكس واقع
المنافسة السوقية العادلة. وقد شددت المفوضية على أهمية تطبيق لائحة الدعم الأجنبي
التي تهدف إلى منع تشويه السوق الأوروبية الموحدة من خلال الدعم الحكومي غير
العادل الذي يمنح أفضلية غير مستحقة في عمليات الاستحواذ.
محور التحقيق: المنافسة وتشويه السوق
يركز التحقيق الأوروبي على احتمال تشويه المنافسة بفعل الدعم الحكومي
المقدم لأدنوك من قبل دولة الإمارات. وصرحت المفوضية:
"قد تكون أدنوك قد قدمت عرضًا ماليًا مرتفعًا بشكل استثنائي وشروطًا
متميزة، مما قد يكون قد ثبط عزيمة أي منافسين محتملين لتقديم عروض بديلة... لدينا
مخاوف أولية من أن الدعم الأجنبي ربما مكن أدنوك من إتمام الاستحواذ بشروط مالية
لا تتماشى مع ظروف السوق".
تشير هذه التصريحات إلى احتمال أن الدعم المالي الحكومي مكّن أدنوك من
تقديم عرض لا يمكن لمنافسين تجاريين تقليديين مجاراته، مما أضعف المنافسة على
الصفقة.
وتكمن خطورة هذا النوع من الدعم في تأثيره المزدوج: أولًا، قد يؤدي
إلى تقويض عمليات المنافسة الحقيقية في صفقات الاندماج والاستحواذ، وثانيًا، قد
يمنح الكيان المستحوذ ميزة تمكنه من اتباع استراتيجيات لا تعتمد على أسس تجارية
بحتة بعد إتمام الصفقة، مما يؤدي إلى احتكار السوق أو تشويهه. ونظرًا للأهمية
الاستراتيجية لشركة كوفيسترو في قطاع الصناعات الكيميائية الأوروبي، يركّز التحقيق
على ما إذا كانت الشركة الجديدة قد تستغل هذه المزايا بشكل غير متكافئ داخل السوق
الموحدة.
الآثار المالية وتقييم الأداء المستقبلي
رغم التحديات المالية التي واجهتها كوفيسترو في 2024، إلا أن الشركة
أعادت التأكيد على توجهها الاستراتيجي. فقد سجلت إيرادات بلغت 14.2 مليار يورو، وEBITDA بقيمة 1.1 مليار يورو، وخسائر صافية قدرها 266 مليون يورو. ومع ذلك،
فإن التوقعات لعام 2025 أكثر تفاؤلًا، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية بلوغ EBITDA حتى 1.6 مليار يورو مع تحقيق تدفقات نقدية تشغيلية إيجابية. ورغم ذلك،
شهدت مبيعات الربع الثاني من 2025 انخفاضًا بنسبة 8.4% مقارنة بتقديرات السوق، مما
يعكس بعض المخاطر المستمرة.
بعد إعلان المفوضية عن التحقيق، أبدى سعر سهم كوفيسترو مرونة نسبية،
مدعومًا بتصريحات الثقة الصادرة عن الإدارة العليا. وقد صرّح الرئيس التنفيذي
ماركوس شتايلمان قائلاً:
"الشراكة الاستراتيجية مع أدنوك تمثل الخطوة الصحيحة في الوقت
المناسب... سنتمكن من تنفيذ استراتيجيتنا 'نحو مستقبل مستدام' بشكل أكثر فاعلية".
هذا يعكس وجهة نظر إدارة كوفيسترو بأن استثمار أدنوك يمكن أن يعزز
النمو المستدام والقدرة التنافسية طويلة الأجل، رغم ما يواجه الصفقة من تحديات
تنظيمية.
وجهات نظر الأطراف المعنية: اتفاق أم خلاف؟
تؤكد المفوضية الأوروبية على التزامها بتطبيق صارم للائحة الدعم
الأجنبي لضمان عدالة المنافسة داخل السوق الموحدة. وتهدف هذه الرقابة إلى ضمان
تكافؤ الفرص بين المستثمرين الأجانب والمحليين، وعدم تمكين الكيانات المدعومة من
دول أجنبية من تجاوز آليات السوق العادلة.
من جهتها، تبدي أدنوك ثقة كبيرة في الجدوى القانونية والتجارية
للصفقة، مشيرة إلى فوائدها المحتملة على الصناعة الأوروبية. وفي بيان رسمي، صرحتأدنوك:
"نحن واثقون بأنه بعد مراجعة جميع الحقائق، لن يكون هناك ما يبرر تأخير
الموافقة على صفقة ستوفر فوائد كبيرة لجميع الأطراف المعنية وتعزز الصناعة
الأوروبية... لدى أدنوك سجل ناجح في خلق القيمة وبناء شراكات طويلة الأمد تحقق
منفعة متبادلة".
كما أعربت كوفيسترو عن التزامها بالتعاون الكامل مع المفوضية خلال
عملية المراجعة، مؤكدة ثقتها بإتمام الصفقة قبل نهاية العام. وجاء في بيانها:
"نتعاون بشكل كامل مع المفوضية في إطار مراجعتها للائحة الدعم
الأجنبي" ونبقى "واثقين جدًا" من إتمام الصفقة قبل نهاية العام.
السياق الأوسع: دلالة لائحة الدعم الأجنبي
يشكل هذا التحقيق أول اختبار حقيقي لتطبيق لائحة الدعم الأجنبي
الجديدة، التي صُممت لسد ثغرة في اللوائح الأوروبية تتعلق بفحص الدعم الحكومي
للصفقات العابرة للحدود. وتشترط اللائحة الإفصاح عن أي دعم أجنبي يتجاوز 50 مليون
يورو خلال ثلاث سنوات، وتُطبق على عمليات الاستحواذ التي تتجاوز إيراداتها 500
مليون يورو داخل الاتحاد الأوروبي، وهي معايير تنطبق على صفقة كوفيسترو.
وقبل إقرار هذه اللائحة، لم تكن الاستثمارات المدعومة من حكومات
أجنبية تخضع لرقابة تعادل تلك المفروضة على الدعم المحلي داخل الاتحاد. ويعكس هذا
التغيير تنامي الحساسية السياسية والاقتصادية تجاه الاستثمارات الأجنبية، خاصة من
قبل الشركات المملوكة للدول خارج الاتحاد.
وعليه، فإن القرار المتوقع بحلول 2 ديسمبر 2025 قد يشكل سابقة تنظيمية
تحدد كيفية التعامل مع دعم حكومي أجنبي في صفقات الاستحواذ، وقد يترتب عليه فرض
شروط ملزمة أو حتى رفض الصفقة إذا ثبت وجود خطر كبير على المنافسة داخل السوق.
تأثيرات محتملة على صناعة الكيماويات الأوروبية وما بعدها
قد يغير قرار المفوضية ديناميكيات المنافسة داخل صناعة الكيماويات في
أوروبا، خصوصًا أن كوفيسترو تمثل لاعبًا مهمًا في إنتاج المواد المستدامة
والكيماويات المتقدمة. ويمكن أن يؤثر تغيير المالك على استراتيجيات الابتكار،
وشبكات التوريد، وهيكل السوق بشكل عام. وإذا تمت الموافقة على الصفقة بشروط، أو
رُفضت، فقد يغير ذلك طريقة تعامل المستثمرين المدعومين من حكومات مع السوق
الأوروبي مستقبلًا.
كما يبعث التحقيق برسالة واضحة للمستثمرين الأجانب، خصوصًا من دول
الخليج، بأن الاستثمارات في أوروبا ستخضع لمراجعة دقيقة تركز على الشفافية وعدالة
المنافسة، وليس مجرد الترحيب برؤوس الأموال.
تحقيق التوازن بين الأسواق المفتوحة والمنافسة العادلة
يمثل التحقيق الأوروبي في صفقة استحواذ أدنوك على كوفيسترو تقاطعًا
مهمًا بين الرقابة التنظيمية، والأمن الاقتصادي، والانفتاح على الاستثمار الأجنبي.
فهو يؤكد مدى تعقيد إدارة تدفقات الاستثمار العالمي بطريقة تحافظ على نزاهة السوق
دون إعاقة النمو والاستدامة.
وبينما تشير المفوضية إلى مخاوف من "سعر مرتفع وشروط متميزة بشكل
استثنائي" ربما أتاحها دعم حكومي، تؤكد أدنوك أنها تملك سجلًا ناجحًا من
الشراكات الناجحة والمستدامة. أما كوفيسترو، فهي ترى في هذه الشراكة فرصة
استراتيجية، وتتعاون بشكل بنّاء مع الجهات التنظيمية.
النتائج المنتظرة لهذا التحقيق ستكون بمثابة دروس مهمة في تطبيق لائحة
الدعم الأجنبي، وستحدد مستقبل الاستثمارات المدعومة من الدول في السوق الأوروبية،
كما ستؤثر في أساليب تنظيم ومراقبة صفقات الاندماج والاستحواذ في القارة. هذه ليست
مجرد صفقة تجارية، بل لحظة فارقة في تطوير قواعد الحوكمة الاقتصادية والتجارية في
أوروبا.